لبيب بيضون
36
موسوعة كربلاء
وكان أبو مخنف صديقا لمحمد بن السائب الكلبي . ويرجع لهشام الكلبي المؤرخ المشهور [ ت 206 ه ] - وهو ابن محمّد بن السائب - الفضل الأكبر في حفظ كتب أبي مخنف وروايتها وتوريثها للأجيال . والطبري في العادة يذكر روايات أبي مخنف بحسب رواية ابن الكلبي لها . وقد عاش أبو مخنف حتّى شهد سقوط خلافة بني أمية في دمشق . وآخر الروايات المأثورة عنه تتعلق بحوادث سنة 132 ه . على أن أبا مخنف يذكر في بعض الأحيان رواة آخرين أقدم منه أو معاصرين له ويعتمد على رواياتهم ، مثل عامر الشعبي وأبي المخارق الراسبي ومجالد بن سعيد ومحمد بن السائب الكلبي . أما في الأغلب فإنه لم يأخذ ما رواه عن أقرانه من الرواة المتقدمين ، بل هو جمع رواياته من سماعه لها بنفسه ، ومن السؤال عنها في مختلف مظانّها ، وعند كل من استقاها من مصادرها أو حضرها بنفسه من الناس . وعلى هذا فإن سلسلة الرواة الذين يذكرهم هي دائما قصيرة جدا . وكل الروايات تذكر في صورة حديث بين الأشخاص الذين كانت تدور حولهم الحوادث ، وكل الروايات وصف لمسرح هذه الحوادث . ( وقد أثبتّ بعد هذا البحث القيّم استقصاء للرواة الذين اعتمد عليهم أبو مخنف والطبري ، لما لذلك من قيمة تاريخية وتوثيقية ) . ميزة أبي مخنف أنه يروي أخبارا متنوعة في الموضوع الواحد : وتابع فلهوزن حديثه قائلا : وأعظم ما صنع أبو مخنف من حيث تقدير قيمة الروايات ، هو أنه جمع طائفة كبيرة من روايات متنوعة ومن أخبار عن الشيء الواحد مختلفة في مصادرها ، بحيث يستطيع الإنسان أن يوازن بينها ويعرف الصحيح المؤكد منها من غيره . وأبو مخنف قد توصّل بذلك إلى أن صارت الأشياء الثانوية تتوارى ، لأنها لا تظهر إلا مرة واحدة ، كما صارت الأشياء الأساسية لا تزال تزداد بروزا ، لأنها تتكرر في جميع الروايات . أبو مخنف لم يراع الترتيب الزمني للحوادث : ومع ذلك فإن أبا مخنف لا يتناول برواياته فترة كبيرة من الزمان ، وهو لا يربط بين أجزائها ربطا يراعي الوقائع كما هي ، ويراعي ترتيبها التاريخي ، ويعوزه ترتيب الحوادث ترتيبا مطّردا ، فهو لا يذكر إلا تواريخ متفرقة .